الشيخ علي الكوراني العاملي
314
الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )
هذا الخلق في ثلاثة مواطن : يوم يولد ، ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا ، ويوم يموت فيرى الآخرة وأهلها ، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا . وقد سَلَّمَ الله عز وجل على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته فقال : وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا . وقد سَلَّمَ عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن فقال : وَالسَّلامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) . لذلك يجب أن لانستغرب إذا رأينا في محاكم يوم المحشر أمثال النماذج التالية : دخلت النار امرأة في هرة ! في عوالي اللئالي : 1 / 154 ، ومسند أحمد : 2 / 507 : ( قال ( ( عليهما السلام ) ) : دخلت امرأة النار في هرة ربطتها ، فلم تطعمها ، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض ) . فلا بد أن يكون الحكم عليها بدخول جهنم ، بسبب مخزون نية العدوان والتعذيب التي صنعتها ونَمَّتْها داخل نفسها ! ولا بد أن يكون تعذيبها للقطة حتى الموت ، جزءاً من مخزون عدوانها ، فلو كانت حاكماً لعذبت شعبها بالجوع حتى الموت ! دعوها فإنها جبارة ! روى في الكافي ( 2 / 309 ) عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : ( الكِبْرُ قد يكون في شرار الناس من كل جنس ، والكبر رداء الله ، فمن نازع الله عز وجل رداءه لم يزده الله إلا سَفَالاً . إن رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) مرَّ في بعض طرق المدينة وسوداءُ تلقط السرقين فقيل لها : تَنَحَّيْ عن طريق رسولالله . فقالت : إن الطريق لمُعْرَض ! فهمَّ بها بعض القوم أن يتناولها ، فقال رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) : دعوها فإنها جبارة ) ! فهذه المرأة السوداء التي تلتقط السرقين أي روث البقر وقوداً للتنور ، وتثير الغبار ، كانت مسلمة تؤمن بالنبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، لكنها ترى نفسها عظيمة فلا يجب عليها احترام أحد ، بل يجب على النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) وأصحابه أن يحترموها . ولما قيل لها لا تثيري الغبار وتنحي لحظات حتى يمر النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) ، قالت : الطريق عريض فليمر من هناك !